حسن بن موسى القادري
290
شرح حكم الشيخ الأكبر
يرجي له الكمال وهو في النقص في جميع الأحوال ، ولو يطير في الهواء ، ويعبر على الماء ، ويقلع الجبال ، وإذا كان أكل الحرام قليله موجبا للذنوب والذنوب موجبة للانتقام وسبب له في دار الجزاء ، فقليل الأكل أيضا سبب للانتقام بواسطة أن سبب السبب أيضا سبب فهو من عطف السبب على المسبب ؛ لأن إيجابه الآثام سبب لكونه سببا للانتقام فتأمل . وقد مرّ أن الشيطان يقول لإخوانه : انظروا إلى طعام العابد فإن كان سوءا دعوه فقد كفاكم نفسه ، فإن كنت من العوام فتقع في الأعمال المذمومة التي ما كانت لك عادة يفعلها قبل ، وإن كنت مريدا فتحصل القسوة في قلبك والثقل في طبيعتك ، وإن كنت متوسطا فتغفل عن مصالح دينك ، وإن كنت منتهيا فتغفل عن ربك وتكثر خواطرك الغير نافعة لك ، وإن كنت مكمّلا ومسلكا للناس في الطريق المستقيم فتمنع من الدخول في الحضرة بقلبك لا في الصلاة ولا في غيرها ، فعليك بتقليل الحلال وترك الحرام ، والشبهة بالكلّية فترى الحلال الكثير كشيء نجس ، والشبهة كالمرء البشع ، والحرام كالنار ، والحلال إذا كان كثيرا يصير حراما ، والمحرّم إذا كان قليلا يصير حلالا ، أو يقرب منه ألا ترى أن المضطر يجوز أكله بقدر سد الرمق من الحرام الصرف ، وما يأتيك قليلا فأبشر بأنه حلال ، وإن ترى بحسب الظاهر أنه حرام ، وما يأتيك كثيرا فتحقق بأنه حرام ، وإن ترى بحسب الظاهر إنه حلال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الحلال يأتيك قليلا ، والحرام يأتيك كثيرا « 1 » » ، فمن كان طعامه من الحلال تزكو جوارحه ، ويلين ويصفى قلبه ، وصدقت سريرته . 60 - ومن صدقت سريرته انفتحت بصيرته . ( من صدقت سريرته انفتحت بصيرته ) أي : كل من كانت ( سريريته ) أي : ستره أي : ما يكتمه ، والمراد الباطن أي : من كان باطنه صادقا أو المراد الأصل أو اللبّ ؛ لأنه يلزم من صدق الأصل ، واللب المراد به للقلب ما ذكره من انفتاح البصيرة ، وحاصله من كانت سريرته صادقة ، وخرجت من النفاق جوارحه ؛ لأن الباطن إذا لم يكن على وفق الظاهر فلا يكون الحاصل منه إلا العمى ، وإذا صار الباطن كالظاهر انفتحت بصيرته أي : عين قلبه فيشاهد المعاني الغيبية فيعثر على ما هو عليه الأمر في نفسه على حسب
--> ( 1 ) لم أقف عليه هكذا .